وهل علينا العيد مرة أخرى وكالعادة لم يأتي
بجديد. موجات من التحرش الجنسي انتشرت سواء في وسط البلد بالقاهرة أو خارج وسط
البلد أو المحافظات التي قليلا ما نعرف ما يدور بها. الأمر كان مختلف قليلا هذه
المرة حيث كان هناك بعض المبادرات التطوعية التي حاولت رصد الظاهرة والتصدي لها،
وكانت التغطية الإعلامية أكثر تكثيفا حيث كان من الواضح أن كاميرات الصحافة مستعدة
لالتقاط صور من قلب الحدث. والجديد ايضا أن رأينا نقاشات وكتابات تحاول لتحليل
ظاهرة التحرش الجنسي أكثر من الماضي.
هل نجحت تلك التحليلات في استيعاب واقع التحرش
الجنسي؟ معتقدش.
لازال العديد ممن يحاولوا فهم التحرش يحصروا
أسباب الظاهرة في واحد من اثنين: أولهم هو ملابس المرأة ودرجة
"احتشامها" و في أقوال أخرى وجود المرأة عموما في الشارع وثانيهم الكبت
أو "الهيجان" الجنسي الذي يعاني منه الشباب.
في الحقيقة لا يختلف التفسيران عن بعضهما
البعض كثيرا فهم أشبه بوجهان لعملة واحدة. يعتبر أصحاب هذه النظرية أن المرأة هي
كيان جنسي مثير أشبه بمغناطيس أو وعاء جنسي متحرك وبما أن الشباب أصبح لا يملك أن
يتزوج في سن مبكر فبالتالي يعاني من الكبت الجنسي ومشاهدة هذه الأوعية الجنسية (النساء)
تتجول في الشارع سوف يستفزه والتالي لابد أن "يغرف" منها قدر ما استطاع
لاشباع احتياجاته ورغباته.
لماذا يحدث التحرش الجنسي ولماذا انتشر بهذا
الشكل؟ من المؤكد أن الشباب في بلدنا مكبوت ولكن أي نوع من الكبت؟ يحصل معظمنا على
التعليم في منظومة تعليمية يخرج منها مشوه نفسيا وغير معد لمواجهة الحياة
وتحدياتها ليقابل سوق عمل لا يرحم. من الممكن إعطاء الكثير من الاحصائيات عن معدل
البطالة ولكن الأرقام لن تعبر عن التجربة
التي يمر بها الباحثين عن عمل كريم ودخل معقول بدون جدوى. وفوق هذا كله من يسمع رأي الشباب أو يستثمر في
طاقتهم وابداعاتهم؟ لا أحد. ما هي مدى مشاركة الشباب في أنشطة مجتمعية أو سياسية؟
3% قبل الثورة. هل تغير هذا المعدل بعد الثورة؟ غالبا ولكن ليس بالقدر الكافي بعد.
ماذا نتوقع بعد هذه الخلطة من التهميش والفشل؟ احباط وعنف وتطرف ديني.
المشكلة ليست الكبت الجنسي ولا ملابس النساء.
الحقيقة هي أن الرجال في مجتمعنا لا يشعرون برجولتهم. الحقيقة هي أن الرجال في
بلدنا يشعرون بالقهر. المقموع يقمع من هو أضعف منه. واحنا عندنا من القمع كتير..
قرون من الاحتلال وعقود من الديكتاتورية العسكرية. الرجال يخرجون شحنتهم من
الاحباط والضعف على من أضعف منهم: النساء غالبا!
العام الماضي كنت جزء من دراسة بحثية عن آراء
الشباب في التحرش الجنسي. أكثر ما لفت انتباهي هو عمق المفاهيم المغلوطة لدى
الشباب عن التحرش. بالرغم من رفض جزء كبير منهم لظاهرة التحرش ولكن هناك الكثير من
يعتقد أن الفتاة هي السبب الأساسي في التحرش بل وغالبا ما يستمتعن به. الأخطر هو
عدم تفهم هؤلاء الشباب بتأثير التحرش على النساء سواء على المدى القصير أو الطويل
وهذا ينطبق على الكثير من الذكور للأسف.
لا يقدر معظمنا احساس الضعف والخوف وقلة
الحيلة الذي يولده التحرش سواء كان لفظيا أو بدنيا. لا يقدر معظمنا أن نظرة من شاب
الى جسد المرأة تشعرها بأنها كيان بدون احساس فما بالك عندما تمتد أيديهم إلى أكثر
مناطق الجسم خصوصية بغرض الإهانة وإثبات القوة وليس بغرض الإشباع الجنسي. لا
تتعجبوا إذا دعت بعض النساء لاستخدام للعنف ضد المتحرشين فهي النتيجة الطبيعية لما
يلاقوه في الشوارع. إذا كنت ترغب في فهم تجربة التحرش ربما
الأفضل أن تسمع النساء أنفسهن مثل تدوينة شيرين ثابت بعنوان موقع اباحي أو تدوينة
إيزيس خليل عن علاقتها بجسدها.
هل هناك من حل؟ بالطبع. أملنا في تحرر الشعب
من قيوده وعودة الحرية والكرامة له (استعنا على الشقا بالله). لابد من اصلاح
التعليم من ناحية المناهج أو أسلوب التعليم العقيم. لابد من أن تحتوي المادة
الدراسية على مواد تعزز من ثقافة حقوق الانسان واحترام الآخر والمساواة بين
الجنسين وأيضا التربية الجنسية. لابد ن مشاركة الشباب الحقيقية في كل ما يخصهم
ويخص المجتمع ولا أقصد هنا المشاركة على غرار المجلس القومي للشباب.
يتحدث الكثير عن تشديد العقوبات والقوانين
الرادعة، ولا أنكر تشككي من فعالية هذه المقترحات فلدينا العديد من القوانين التي لا تجد من ينفذها. كما يتحدث الكثير عن تشديد وجود قوات الشرطة
بالشوارع، قد يكون هذا مقترح معقول ولكن ماذا عن رجال الشرطة الذين يتحرشوا
بالنساء. وما الذي سوف يشجع النساء على اللجوء للشرطة للابلاغ مع معرفتنا جميعا
بأزمة الثقة بين المواطن والشرطة؟
القانون معركة مهمة ولكن أهم منها هي العمل
مع المجتمع نفسه. لا شك في أن القانون يعبر بشكل ما عن التزام الدولة نحو قضية ما
ولكننا نعيش في وقت الشعب. المبادرات الشعبية (بعيدا عن الدولة) من أهم الطرق التي
نخلق بها التغيير في مجتمعنا وبالفعل ظهر العديد منها على الساحة مؤخرا.
أما الاقتراحات الأخرى على غرار تسهيل زواج
الشباب أو تقصير فترة التعليم أو تغيير ملابس النساء فلا أعتقد أنها تحتاج إضاعة
الوقت في مناقشتها.
قبل أن أختم التدوينة أحب أن ألقي الضوء على
نقطتين:
الأولى: التحرش الجنسي ليس الشكل الوحيد
للعنف ضد المرأة في مجتمعنا فهناك العنف المنزلي والختان والحرمان من الميراث والزواج
المبكر والقسري وغيرها ولا تختلف أسباب كل هذه المشاكل عن أسباب التحرش التحرش
وهذه القضايا لا تقل أهمية عن التحرش الجنسي ولا ينبغي علينا حصر مشاكل المرأة في مشاكلها في المساحات العامة فقط لأنها تتعرض لغيرها من الانتهاكات.
ثانيا: التحرش لا يعاني منه النساء في الشارع
فقط. بل أصبحت للأسف ثقافة عامة. كل مستضعف او مختلف يتم التحرش به. الأجانب يتحرش
بهم وسود البشرة سواء مصريين أو غير مصريين يلقون نصيبهم المستمر من التعليقات
العنصرية. حتى من يرتدي أزياء "غير تقليدية" أو الشخص القصير أكثر من
اللازم أو ذوي الإعاقة .. الخ ليس لديهم الحق في التواجد في
الشارع بأمان. أول خطوات مواجهة المشكلة هو الاعتراف بها والتعامل الناضج معها. الأمان والسلامة الجسدية والنفسية حق للجميع بدون تمييز.





